مجمع البحوث الاسلامية

70

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته

مظهره ، فالإبداء : الإظهار كما تقدّم ، إلّا أنّ الإبداء أخصّ ؛ إذ يستعمل في مضمار الفكر والرّأي غالبا ، يقال للرّجل الحازم : ذو بدوات ، أي ذو آراء تظهر له ، فيختار بعضا ويسقط بعضا ، ويقال له أيضا : أبو البدوات . وهكذا جاء في القرآن ، ومنه هذه الآية ، إلّا أنّه عبّر عن الفكر بالنّفس أو القلب أو الصّدر ، كما في الآيات ( 11 ) و ( 18 ) و ( 20 ) و ( 21 ) و ( 30 ) . فيلحظ أنّ الإبداء جاء طباقا للإخفاء فيها ، سوى الآية ( 20 ) ، فقد جاء طباقا للإسرار ، وهو بمعنى ، لأنّ الإسرار أتى في القرآن طباقا للإعلان ، مثل : وَاللَّهُ يَعْلَمُ ما تُسِرُّونَ وَما تُعْلِنُونَ النّحل : 19 ، وأتى الإعلان طباقا للإخفاء أيضا ، مثل : وَأَنَا أَعْلَمُ بِما أَخْفَيْتُمْ وَما أَعْلَنْتُمْ الممتحنة : 1 ، فالإسرار بمثابة الإخفاء ، لاحظ « س ر ر » و « ع ل ن » . أمّا الظّهور فقد جاء في القرآن طباقا للبطون فقط ، كالظّهر والبطن : وَلا تَقْرَبُوا الْفَواحِشَ ما ظَهَرَ مِنْها وَما بَطَنَ الأنعام : 151 ، والظّاهر والباطن : هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْباطِنُ الحديد : 3 ، لاحظ « ظ ه ر » و « ب ط ن » . رابعا : الاسم : البدو : وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وَجاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ يوسف : 100 . اختلف فيه ، فقيل : هو موضع في أرض يعقوب يسمّى بدا ، وقيل : البادية . وأمّا بدا فقيل : هو واد ، وقيل : قرية . ثمّ اختلف في موضعه ، فقيل : بأرض الشّام ، وقيل : بوادي القرى ، وقيل : بوادي عذرة . غير أنّ هناك قرائن تشير إلى أنّه موضع في شمال الجزيرة العربيّة ، منها قول كثيّر عزّة : وأنت الّتي حبّبت شغبا إلى بدا * إليّ وأوطاني بلاد سواهما حللت بهذا حلّة ثمّ حلّة * بهذا فطاب الواديان كلاهما والمشهور أنّ « كثيّرا » وحبيبته « عزّة » كانا يقطنان أرض الحجاز من شمال الجزيرة العربيّة ، وكذا « جميل العذريّ » وحبيبته « بثينة » ، فقال فيها : ألا قد أرى إلّا بثينة ترتجى * بوادي بدا فلا بحسمى ولا شغب ويبدو أنّ القول الثّاني هو الأقرب ، لأنّ يعقوب كان ينزل مع أولاده ببادية في أرض كنعان ، يرعون الغنم والبقر ، وحينما قدموا مصر قال يوسف : لقد أسدى إليّ اللّه خيرا ، حين أخرجني من السّجن وجاء بكم من البادية ، فقابل إخراجه من السّجن بمجيئهم من البادية ، وهذا تعريض بالبادية ، وإطراء للحضر ، وإن لم يرد له ذكر ، وتقدير الكلام : وجعلني عزيزا ، وجعلكم حضريّين .